المقريزي
90
إمتاع الأسماع
بها إلى الماء حاجة ، لقد شربت بالأمس - وجعل أهل العير يقولون : هذا شئ ما صنعته معنا منذ خرجنا ، وغشيتهم تلك الليلة الظلمة حتى ما يبصر أحد منهم شيئا . فأصبح أبو سفيان ببدر قد تقدم العير وهو خائف من الرصد ، فضرب وجه عيره فساحل بها ( 1 ) ، وترك بدرا يسارا وانطلق سريعا ، وأقبلت قريش من مكة ينزلون كل منهل ، يطعمون الطعام من أتاهم وينحرون الجزر . وهم عتبة وشيبة أن يرجعا ثم مضيا وقد عنفهما أبو جهل . رؤيا جهيم بن الصلت فلما كانوا بالجحفة رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف في منامه رجلا أقبل على فرس معه ( 2 ) بعير حتى وقف عليه فقال : قتل عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وزمعة بن الأسود ، وأمية بن خلف ، وأبو البختري ، أبو الحكم ، ونوفل بن خويلد ، في رجال سماهم . وأسر سهيل بن عمرو ، وفر الحارث بن هشام ، وقائل يقول : والله إني لأظنكم ( 3 ) إلى مصارعكم ، ثم رآه كأنه ضرب في لبة ( 4 ) بعيره فأرسله في العسكر فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه بعض دمه . فشاعت هذه الرؤيا في العسكر ، فقال أبو جهل : هذا نبي آخر من بني المطلب : سيعلم غدا من المقتول ، نحن أو محمدا وأصحابه . نجاة عير قريش وإصرار النفير على البقاء ببدر وأتاهم قيس بن امرئ القيس من أبي سفيان يأمرهم بالرجوع ، ويخبرهم أن قد نجت عيرهم : فلا تجزروا ( 5 ) أنفسكم أهل يثرب ، فلا حاجة لكم فيما وراء ذلك ، إنما خرجتم لتمنعوا العير وأموالكم ، وقد نجاها الله ، فعالج قريشا فأبت الرجوع وردوا القيان من الجحفة . وقال أبو جهل : لا والله لا نرجع حتى نرد بدرا فنقيم
--> ( 1 ) أي قصد بها الساحل . ( 2 ) في ( ط ) " ومعه " . ( 3 ) في ( خ ) " لا أظنكم " . ( 4 ) اللبة من عنق البعير فوق صدره ومنها يذبح . ( 5 ) أي لا تجعلوا أنفسكم ذبائح لأهل مكة .